حين يصبح التسريب سببا في التراجع..

كثيرا ما يتراجع القادة عن قرارات كانوا بصدد اتخاذها بمجرد تسريبها إلى الرأي العام وكأن الإعلان المسبق عنها ينتقص من حرية صاحب القرار في اتخاذه أو يحرمه من عنصر المفاجأة الذي يريد أن يحيط به قراراته. ويذكر الوزير الأول المغربي الأسبق والمستشار الملكي الراحل عبد الهادي بوطالب في مذكراته أن الملك الحسن الثاني تراجع عن تعيينه على رأس حكومتين بعد تسريب الخبر إلى وسائل الإعلام حتى لا يبدو وكأنه استجاب لما نشرته أو خضع لتوقعات الرأي العام. ولعل الأمر نفسه حدث في موريتانيا خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت الإطاحة بنظام معاوية ولد الطايع حين تسربت أسماء تشكيلة حكومية كان الرئيس الراحل العقيد اعل ولد محمد فال يعتزم اعتمادها فعدل عنها وفق ما جرى تداوله بشأن تلك الواقعة. وبين الحالتين تتجلى إحدى مفارقات صناعة القرار في الأنظمة السياسية إذ قد لا يكون مضمون القرار هو ما يدفع إلى تغييره وإنما سبق الإعلان عنه وما قد يوحي به من تأثر بالضغوط أو خضوع للتوقعات. فالقائد الذي يريد أن يحتفظ لنفسه بحرية الاختيار قد يرى في التسريب تدخلا في صلاحياته حتى لو كان ما كُشف عنه هو القرار الذي كان ينوي اتخاذه بالفعل.